شبكة سيدات مصر | تحيا مصر

العودة  
اسم العضو
كلمة المرور
مركز تحميل الصور القرآن الكريم ابتسامات سيدات مصر التسجيل البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

Egyptology A special section for the study of art and archeology, religion and history in Egypt


عصور ما قبل التاريخ في وادي النيل

منقول عن : أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية بقلم د. يوسف مختار الأمين مقدمة من المتفق عليه إطلاق مسمى وادي النيل على الأرض الواقعة على جانبي نهر النيل والممتدة

إنشاء موضوع جديد إضافة رد
كاتب الموضوع سمسمة سليم مشاركات 2 المشاهدات 11805  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 19-09-2010, 09:44 AM   #1
سمسمة سليم
ادارية سابقة
Avatar Yok
تاريخ التسجيل: 21 / 12 / 2009
المشاركات: 15,683
المواضيع: 4116
معدل تقييم المستوى: 21
Rep Puan‎ : 103
K‎demi : سمسمة سليم سمعة تقييمها بادئسمسمة سليم سمعة تقييمها بادئ
وسام الادارة المشرفة اللهلوبة محبوبة الجماهير 
مجموع الاوسمة: 3 (المزيد» ...)
معدل تقييم المستوى: 21
افتراضي عصور ما قبل التاريخ في وادي النيل

     
 

منقول عن : أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية بقلم د. يوسف مختار الأمين

مقدمة

من المتفق عليه إطلاق مسمى وادي النيل على الأرض الواقعة على جانبي نهر النيل والممتدة من الدلتا في أقصى شمال مصر حتى ملتقى النيلين الأبيض والأزرق في الخرطوم بوسط السودان. وليس في هذا الوصف ما يمنع بطبيعة الحال من إضافة بقية أقاليم السودان جنوب الخرطوم لوادي النيل. تقسم مصر في المصادر التاريخية عادة إلى إقليمين هما، مصر العليا (الوجه القبلي) ومصر السفلى (الوجه البحري). تمتد الأولى من الشلال الأول حتى الأطراف الجنوبية للدلتا، حيث يجري نهر النيل شاقًا أرضًا صحراوية مكوناً شريطاً ضيقاً من الأرض الزراعية. أما مصر السفلى فتشمل منطقة الدلتا حيث يتفرع النهر إلى عدة أفرع تصب في البحر المتوسط وتكثر فيها البحيرات والمستنقعات. وعلى الرغم من التشابه الطبيعي بين هذين الإقليمين فإنهما أسهما في الحضارة المصرية بأدوار مختلفة تجمعت وتكاملت لتمنحها طابعها المتميز.



أَما السودان فيقسم بدوره إلى قسمين، النوبة السفلى، وتمتد من الشلال الأول إلى الشلال الثاني؛ والنوبة العليا التى تمتد من الشلال الثاني حتى الخرطوم جنوباً مع أن كثيرين يحصرون منطقة النوبة في الأرض الممتدة من الشلال الرابع شمالاً حتى الحدود المصرية السودانية. وفي بقية السودان من حدوده الجنوبية والشرقية حتى الخرطوم تجري الأنهر وأفرعها والمجاري والأودية الكبيرة، كما توجد بالسودان مساحات شاسعة بعيداً عن مجرى النهر صالحة للزراعة والرعي قديمًا وحديثاً. لقد أتاحت الظروف الطبيعية بيئات متنوعة للبشر على مرّ العصور كان لها عظيم الأثر في المنتج الحضاري كما كان لها أثرها في مستويات الاتصال بين أقاليم قطري وادي النيل. وسوف يتضح كذلك لاحقاً عند وصفنا لتطور حضارات العصور الحجرية. ومن جهة أخرى لا يكتمل الوصف الجغرافي لوادي النيل دون الإشارة إلى الصحارى التى تحف بوادي النيل، فقد أوضحت الدراسات الجيولوجية والآثارية المتصلة أهمية الصحراء، وبخاصة الجزء المتاخم من الصحراء الكبرى لنهر النيل، حيث تنتشر الآبار والعيون والمنخفضات والأودية الكبيرة التي تصب في النهر.



أما الصحراء نفسها فقد كانت هي أيضاً مأهولة بالسكان خلال معظم حقب العصور الحجرية، وهناك من الأدلة الآثارية ما يؤكد الاتصال والتنقل بين الصحراء ووادي النيل خاصة خلال فترات التقلب المناخي مما نتج عنه امتزاج وتتداخل بين الجماعات السكانية وثقافاتها الشئ الذى أثمر بدوره في إثراء المنجزات الثقافية في هذا الجزء من العالم القديم


وعلى ضفتي النهر في مصر والسودان نشأت مدنية من أعظم مدنيات الشرق الأدنى القديم. فالمدنية المصرية القديمة معروفة على نطاق واسع بعظمة منجزاتها في ميادين النظم السياسية، والإدارية، والعمارة، والفنون، والآداب، والمعتقدات، واللغات. وقد وصل إشعاع هذه المدنية العظيمة ليس فقط للأقاليم المجاورة وإنما امتد لآفاق بعيدة في الشرق والغرب. كذلك عرف جنوب الوادي في السودان مدنية عريقة تبدأ بظهور دولة المدينة في كرمة نحو 2000 ق. م. كأول مدينة في أفريقيا خارج مصر، وهى التي تلتها الحضارة الكوشية بعصريها النبتي والمروي اللذين امتزجت فيهما المؤثرات الحضارية المصرية مع المنجزات المحلية المتميزة.



ومما لا شك فيه أن مدنيات وادي النيل تلك قامت على تجارب حضارية تمتد لأعماق ما قبل التاريخ إذ لم تكن المنطقة بعيدة عن ما أنجزته مجموعات الصيادين الأوائل في أفريقيا والشرق الأدنى من ابتكارات وتحسين في صنع الأدوات والأسلحة ومختلف ضروب الفنون البدائية والتمكن من استغلال البيئة الطبيعية والتكيّف الناجح على الصعوبات الطبيعية. ويكتسب وادي النيل أهمية خاصة عند النظر في تطور أدوار العصور الحجرية وانتشار البشر من أفريقيا إلى خارجها. فأوائل البشر الذين انتقلوا من شرق أفريقيا منذ مئات الآلاف من السنين ومن بعدهم أقدم سلالات الإنسان الحديث قد سلكوا مجاري المياه القديمة، ونهر النيل فيما بعد إلى شمال أفريقيا وشرق المتوسط. وعندما ظهرت أقدم المدنيات والدولة المركزية كانت أصولها موجودة محليًا في مجتمعات العصر الحجري الحديث التى أنجزت مرحلة إنتاج القوت متمثلاً في الزراعة، وتربية الحيوان، وعمل الفخار، والصناعات الحرفية المختلفة، وبناء الإقامات المستقرة.



من هنا تكتسب دراسة العصور الحجرية في وادي النيل أهمية خاصة لسببين رئيسين: الأول هو موقعه في القارة الأفريقية وسطاً بين شرق أفريقيا أقدم مراكز البشر الأوائل وآسيا في الشرق، وشمال أفريقيا ومن ثم أوروبا في جهة الغرب؛ والسبب الثاني طبيعة التطور الثقافي خلال فترة ما قبل التاريخ في المنطقة نفسها الذى شكل القاعدة التي قامت عليها أقدم مدنيات الشرق الأدنى.



مصادر المعلومات

نستمد معرفتنا بعصور ما قبل التاريخ في وادي النيل من نتائج التنقيبات والمسوحات الآثارية التي بدأت في العقود الأولى من القرن الميلادي الماضي. وقد تعرفنا على وجود البشر في المنطقة من خلال الملتقطات السطحية التى انتبه إليها المستكشفون الذين زاروا المنطقة حيث قارنوها بما هو معروف من نوعها في أماكن أخرى من العالم. ومن المعلوم أن فترة ما قبل التاريخ لم تكن موضوعاً مهماً لدى الباحثين في ذلك الوقت إذ اكتسب وادي النيل أهميته التاريخية من اكتشاف آثار المدنية المصرية القديمة (الفرعونية). وكانت المكتشفات الثقافية لمحتويات الأهرام والمعابد والمدن من لقي رائعة، ونصوص اللغة المصرية القديمة، وفنون الحضارة المصرية القديمة التي لم تترك موضوعاتها الأكاديمية الشيقة مجالاً للدراسات في مجال ما قبل التاريخ. فوق ذلك كانت مواقع ما قبل التاريخ الظاهرة قليلة في ذلك الوقت وساد اعتقاد بأن معظمها قد طمرته فيضانات النهر، أو، أنه لم يكن موجودًا في الأصل. وظن البعض من المهتمين بفترة ما قبل التاريخ أن وادي النيل لم يقم بدور مهم ولم يسهم في ثقافات تلك الفترة بل ظل متأخرًا وراكدًا ثقافياً



ومهما كان من أمر تلك الآراء فقد بدأ الاهتمام بفترة ما قبل التاريخ وئيداً ففي السنوات الأولى من القرن الماضي وصف شوينغيرث وكورلي وستيرت أدوات حجرية وجدت في مواقع مختلفة من صحراء مصر وكذلك فعل الشئ نفسه بوفير – لاميني من خلال أعمال التنقيب في العباسية بالقرب من القاهرة. وتأتي بعد ذلك الأعمال المهمة التي قام بها كاتون- طومسون وغاردنر خلال العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين في منطقة البداري ومن بعدها الفيوم حيث رصدا تعاقب طويل للعصور الحجرية وخاصة العصر الحجري الحديث وفترة ما قبل الأسر. كذلك فإن أعمالهما في واحة الخارجة (1930-1932) تمثل معلماً بارزاً في معرفتنا بفترة العصر الحجري القديم في وادي النيل. ومن الأعمال المهمة في أواسط مصر ما قام به فينارد واكتشافه لما سماه حضارة السبيل في كوم أمبو التي نسبها للعصر الحجري القديم الأعلى Wendorf and Schild,1976:XV. وقد حظيت منطقة النوبة في هذه المرحلة الأولى من الأبحاث بكثير من الاهتمام بسبب بناء خزان أسوان وتعليته حيث أجرى مسحان آثاريان مهمان (1907-1911 و1929-1939) ففي النوبة السودانية لم يرد شئ في نتائج هذه الدراسات عن العصر الحجري القديم. أما في النوبة المصرية فقد ذكر وجود صناعات حجرية منسوبة للأدوار المبكرة من فترة ما قبل التاريخ وجرى ربطها بفيضانات النهر القديمة التي تمثلها المصاطب الطميية على جانبي النهر

وفي داخل السودان عمل أنطوني آركل Arkell لفترة طويلة باحثاً في آثار السودان مبدياً اهتماماً خاصاً بفترة ما قبل التاريخ حيث قام بمسوحات غير منتظمة في معظم أقاليم السودان جمع خلالها ملتقطات سطحية من أدوات العصر الحجري القديم. بعد ذلك نقب في موقع خور أبو عنجة الذى يحتوي على لقي مهمة من العصر الأشولي- أقدم مراحل ما قبل التاريخ في المنطقة- وقد نشر عنه كتيباً خاصاً بالعصر الحجري القديم في السودان Arkell,1949a. ومن أبحاثه المهمة الأخرى التي كان لها الأثر الكبير في دراسات ما قبل التاريخ في السودان ووادي النيل عموماً ما قام به من تنقيبات في موقعي الخرطوم المبكرة والشهيناب. وكان فيهما من اللقي ما يدل على وجود أقدم أدلة لبدايات الاستيطان وصنع الفخار وإنتاج القوت. وقد وضعت تلك الاكتشافات منطقة النيل الأوسط في خارطة أبحاث ما قبل التاريخ وجذبت انتباه العلماء الباحثين حيث وفدت فيما بعد العديد من الفرق العلمية لإجراء البحوث الميدانية فيها .



كانت حملة إنقاذ آثار النوبة (1959-1965) نقطة تحول في تاريخ العمل الآثاري في وادي النيل، وبخاصة تلك الأبحاث المتعلقة بعصور ما قبل التاريخ. فعندما تقرر بناء السد العالي توجهت حكومتا مصر والسودان والأمم المتحدة بنداء عالمي للمساعدة في إنقاذ آثار المنطقة التى ستغمرها المياه، وقد وصلت بالفعل العشرات من البعثات أو الفرق العلمية لإجراء المسوحات والتنقيبات الآثارية الإنقاذية. لم يكن ما قبل التاريخ في صدر اهتمام تلك الحملة في البداية ولكن نسبة لمجهودات بعض العلماء الأجانب والإداريين الوطنيين (ثابت حسن ثابت ونجم الدين محمد شريف- أركامانى) أوكل للبعثة الأمريكية المتحدة من جامعة دالس وجامعات أمريكية وأوروبية أخرى القيام بمهمة استكشاف وحصر مواقع ما قبل التاريخ ودراسة نماذج منها. لقد كانت نتائج أعمال هذه البعثة وغيرها من فرق علمية مثيرة وجديدة كشفت عن تسلسل لأدوار عصور ما قبل التاريخ توضح بجلاء خصوصية المنطقة وثراء حضارتها وتنوعها. وقد أوضحت الدراسة والمقارنات أن بعضها يرتبط بمثيلاتها في شمال أفريقيا والبعض الآخر يعكس تطوراً حضارياً محلياً. كذلك تأكد حيوية المنطقة خلال عصور ما قبل التاريخ وإسهامها مع غيرها في دفع تطور الحضارة الإنسانية. وقد رصدت البعثة الأمريكية أكثر من عشرين تقليداً في صناعة الأدوات الحجرية المتميزة تم ترتيبها في جدول زمني بدءاً من العصر الأشولي حتى نهاية العصر الحجري الحديث ومرحلة فجر التاريخ. وقد أجرت البعثة أبحاثاً جيولوجية وبيئية وأخرى جيومورفولوجية لمعرفة تاريخ نهر النيل وذلك من أجل وضع حضارات العصور الحجرية في إطارها الطبيعي الذى تتوفر فيه الموارد الغذائية من حيوان ونبات. وقد اهتمت تلك الأبحاث الميدانية بتوزيع المواقع الأثرية جغرافياً للكشف عن أنماط الاستيطان البشري القديم وعلاقة نهر النيل بالصحراء.



لم تقتصر نتائج حملة إنقاذ آثار النوبة على النتائج العلمية بل كان لها أثر عظيم في جذب مراكز البحوث العالمية والجامعات لإجراء الدراسات الميدانية ذات الأهداف العلمية المحددة. فقد كانت هناك قضايا علمية أثارتها نتائج الأعمال الأولى تطلب حلها المزيد من البحث الآثاري المخطط (محمد على والأمين،1992:65-70). انتقلت البعثة الأمريكية لتجري أبحاثها الميدانية في مصر مباشرة بعد انتهاء الحملة، فأجرت مسوحات أثرية في إدفو ومن شمال اسنا حتى نجع حمادي، ثم بعد ذلك في منطقة الفيوم. وبالنسبة للصحراء الغربية فقد أجرت مسوحات وتنقيبات مهمة في منطقة الآبار والسبخات القديمة وحول وادي الكبانية. لقد امتازت هذه البعثة بشمولية البحث الميداني حيث يتكون الفريق عادة من عدة تخصصات تُعنى بالبيئة الطبيعية وموارد المياه والتكوينات الجيولوجية إضافة لموارد الغذاء المتاحة لصيادي العصور الحجرية في المنطقة اضافة لعدد من الآثاريين المتمرسين. وقد عمل أعضاء البعثة في ظروف صعبة لكنهم اختطوا منهجية صارمة في العمل واستعداداً لوجستياً صارت تحتذيه بقية الفرق العلمية. عمل الفريق الأمريكي وشركاؤه من أوروبا ومصر لأكثر من ثلاثين سنة متصلة كانت نتائج أعمالهم بالغة الأهمية في معرفتنا بالعصور الحجرية وتطور حضارتها. وقد تم نشر هذه المعلومات في العديد من المجلدات والمجلات المتخصصة والدوريات والمؤتمرات العلمية مما أكسب المنطقة شهرة أكاديمية عالمية


ويجدر بالذكر أيضًا أعمال بعثات علمية أخرى قامت بأعمال كانت نتائجها هي الأخرى ذات أهمية بالغة. فالبعثة البلجيكية على سبيل المثال، أجرت أبحاثًا على مدى سنوات في أواسط مصر أمدتنا بمعلومات جديدة عن جماعات العصر الحجري القديم الأوسط والأعلى حيث غيرّت كثيرًا من الآراء التي كانت سائدة من قبل عن ظهور تقنيات العصر الحجري القديم الأعلى بسماتها الشرق أوسطية في وادي النيل الأمر الذي نتناوله لاحقًا.



وفي السودان تجمع عدد من البعثات الأوروبية والأمريكية في منطقة النيل الأوسط حول الخرطوم وشمال السودان وركزت تنقيباتها في مواقع العصر الحجري الحديث على وجه التحديد بحثاً عن أصل الزراعة واستئناس الحيوان وانتشار الرعي والكيفية التي انتقلت بها مجموعات الصيادين لمرحلة إنتاج الطعام. أجريت التنقيبات الميدانية وتحليل اللقي بأحدث ما توفر من مناهج في علم الآثار مما أحدث نقلة نوعية في المعلومات الدالة على قدرات السكان في الفترة 10.000 إلى 3000 قبل الوقت الحاضر. ونالت موضوعات أنماط الاقتصاد المعيشي وأنظمة المجتمع وخصائصه الثقافية والدينية حظًا وافراً من البحث والتداول بين العلماء. وقاد تناول موضوعات التحول الحضاري من الصيد والجمع إلى الزراعة وتربية الحيوان والاستقرار الباحثين للالتفات إلى ظهور المستوطنات الكبيرة والأنظمة الإدارية التي تأسست عليها الدولة السودانية القديمة .



وهناك من الأعمال الآثارية ما انطوى على مسوحات في مناطق واسعة بعيداً عن مجري النيل مثل عمل البعثة الإيطالية في دلتا نهر القاش بشرق السودان والمشروع الآثاري الأمريكي– السوداني الذى غطى جزءاً من البطانة الشرقية من شق الدود على بعد 50 كلم من الخرطوم حتى الحدود الإرترية في الشرق. كذلك يذكر في هذا السياق البحث الألماني في شمال غرب السودان بالتركيز على وادي هور. مع أن هذه الأعمال كان مسرحها بعيداً عن السهل الفيضي للنهر إلا أنها كشفت عن معلومات مهمة حول العلاقة بين وادي النيل وامتداده الطبيعي في سهول السودان في جهتي الشرق والغرب. ومع كثرة الأعمال الميدانية في وسط السودان والمنطقة المحيطة بوادي النيل تظل أقاليم واسعة من القطر لم تصلها فرق البحث الآثاري بعد. فأقاليم جنوب السودان لم تنل حظها من العمل الآثاري سوى ما قامت به بعثة واحدة لموسمين فقط (محمد علي والأمين،

إن الأعمال الآثارية الميدانية المذكورة من مصر والسودان مجرد أمثلة فقط لأهم دوائر ذلك النشاط العلمي. هناك العشرات من فرق التنقيب والبحث من الأجانب والوطنيين في كلا البلدين تقوم بأبحاثها في مواقع ما قبل التاريخ لفترات قد تطول أو تقصر. وقد كانت المحصلة اليوم لجميع هذه الأعمال أن توسعت معرفتنا بفترة ما قبل التاريخ ليس فقط في مجال اللقي من الأدوات الحجرية وفخار وغيرها وإنما أيضاً بأنظمة مجتمعات العصور الحجرية وأطرها الطبيعية مما جعل وادي النيل اليوم يعد من أكثر أودية الأنهار في العالم حظاً في بحوث فترة ما قبل التاريخ. وكان نتيجة كل ذلك مراجعة دقيقة لكثير من الأفكار أو النظريات التي طرحت لتفسير التطورات الحضارية خلال العصور الحجرية، وهي عملية مستمرة بطبيعة الحال بسبب استمرار البحوث الميدانية وتنوع مصادر المعلومات.



التاريخ الجيولوجي لنهر النيل والبيئة القديمة

يمثل نهر النيل، أطول أنهار العالم، شريان الحياة وعصبها في مصر والسودان، ليس في الوقت الحاضر فقط، وإنما على امتداد تاريخ استيطان البشر على ضفتيه. فالنيل هو مصدر المياه الدائم للإنسان والحيوان، وفيه بعض مصادر الغذاء كالأسماك وغيرها. وفي انحداره من الهضبة الإثيوبية يجلب النيل الأزرق الطمي المعدني، في حين يجلب النيل الأبيض الطمي النباتي مما يخصّب الأرض على نهر النيل ويجعلها صالحة للزراعة مصدراً للاقتصاد المعيشي الأساس للسكان منذ آلاف السنين. كذلك ربط النهر بين الشمال والجنوب حيث كان الوسيلة الرئيسة للنقل وحوله تشكلت حياة الناس وقامت الفنون والعبادات والأساطير ولا يستطيع المرء استيعاب التاريخ الحضاري للمنطقة دون النظر في مزايا نهر النيل وعطاياه. ومثلما كان النيل ولا يزال حلقة الوصل بين السودان ومصر، فإنه كان أيضاً السبب في جذب الجماعات السكانية منذ أقدم العصور من شمال أفريقيا والصحراء الكبرى. لقد عاش الناس منذ عشرات آلاف السنين قبل ظهور المدنية المصرية القديمة فما هو تأثير النهر على إنسان ما قبل التاريخ؟ ومتى شق النيل مجراه الحالي؟ وكيف تتأثر وتيرة تدفق المياه فيه بالتحولات المناخية العالمية والإقليمية؟ تمثل تلك نوعاً من الأسئلة التي طرحها علماء الآثار والجيولوجيا منذ وقت بعيد عندما رصد بعضهم المصاطب ذات المستويات المختلفة على جانبي الوادي ووجدوا في طبقاتها الأدوات الحجرية وعظام الحيوانات من عصور مختلفة.



لم تك تلك الملاحظات المبكرة ذات شمولية أو صفة علمية محددة، لكن ما حدث خلال حملة إنقاذ آثار النوبة وما جرى بعدها من أبحاث ميدانية أوضح الكثير من التاريخ الجيولوجي للنهر. وقد تم حفر العديد من المواقع لربطها بالتكوينات الطبيعية، كما درست مقاطع مختارة من الرسوبيات الطميية وتكوينات الأودية التى تصب في النهر وجرت المقارنة بينها لتحديد أزمانها ومدلولاتها المناخية. وقد نشرت نتائج هذه الأبحاث بصورة وافية تناولت تاريخ النهر والمناخ القديم وربط الاستيطان البشري بأحوال البيئة وما تبيحه من موارد طبيعية صالحة للإنسان والحيوان. وتكفي هنا الإشارة إلى أهم هذه الدراسات مثل ما نشره داينزلن في 1968، ومابثزر وهانسن 1968، ورشدي سعيد في 1975، وبهى العيسوي 1976، ووندورف وشيلد 1976، وفيرمش 1987 (لتفاصيل هذه الأعمال انظر Paulissen,E. and Vermeerch,P.1987).



أفادت هذه الدراسات والتي أعقبتها على مدى ثلاثة عقود في وضع إطار بيئي يمكن للباحثين أن ينظروا من خلاله إلى تعاقب الأدوار الحضارية في فترة ما قبل التاريخ ومقارنة المخلفات الآثارية التي تنسب إلى فترة سادت فيها أوضاع بيئية بعينها.



تختلف نتائج الدراسات الجيولوجية حول قضية قدم نهر النيل كمجرى مائي تأتيه المياه من المنابع المعروفة اليوم في وسط وشرق أفريقيا وكذلك حول معاني الظواهر الطبيعية التى تعكسها التكوينات الرسوبية بالقرب من ضفتي النهر. فالبعض يرى أن نهر النيل بدأ بحفر مجراه الحالي منذ أكثر من ربع مليون سنة مضت حيث دللوا على ذلك بوجود رسوبيات طميية من أصل إثيوبي في تكوين دندرة. وبعد ذلك تقطع النهر ولم يعد لحالته إلا خلال الفترة 100.000–60.000 قبل الحاضر. والرأي الآخر يقول بتاريخ حديث للنهر إذ كان في واديه عدد من الأنهر تأتيها المياه من الأمطار المحلية ومنابع أخرى بعيدة ولكن امتد مجراه من الهضبة الإثيوبية حتى شمال مصر لأول مرة في التاريخ المذكور أعلاه. ويختلف العلماء أيضاً في تفسيرهم للعلاقة بين فيضانات النهر الكبرى وأحوال المناخ المحلية فالبعض يرى أن المصاطب الرسوبية تقابل فترات امتداد الجليد في شمال الكرة الأرضية. وعندما ينخفض مستوى مياه النهر لسنوات قد تطول أو تقصر فذلك يقابل الفترات الدافئة التي تقع ما بين كل عصر جليدي وآخر. وهناك رأى آخر يقول أن هذه المصاطب قد تكونت عندما كان النهر ضعيفًا بحيث أنه لم يتمكن من إكمال جريانه حتى الدلتا وأن أولها تكون منذ أكثر من 30.000 سنة مضت ولم يتمكن النهر من حفر مجراه مرة أخرى إلا نحو 20.000 ق.م. وبحلول فترة العصر الحجري القديم المتأخر تكونت ما يسمى بمصاطب الصحابة – دراو ومسمس ثم زاد اندفاع النهر نحو 10.000 ق.م. وهي الفترة التى ظهرت بعدها مستوطنات العصر الحجري الحديث. واعتماداً على الدراسات الجيولوجية والآثارية اللاحقة اقترح بعض الباحثين تعديلاً لنموذج الفيضان الكبير الذى يعقبه انخفاض واضح في مستوى مياه النهر ثم فيضان كبير آخر، إلى افتراض ارتفاع هائل في مستوى مياه النهر الذى تتخلله انخفاضات بسيطة متذبذبة . ومما لا شك فيه أن نهر النيل يتأثر بالظروف المناخية المحلية والعالمية وهو مع الصحراء المجاورة بمناخاتها المتباينة عبر الزمن شكلا عنصراً بيئياً مهماً تحددت بموجبه أنماط استيطان السكان خلال حقب العصور الحجرية.



فخلال الأزمان المطيرة نجد مواقع / مستوطنات الصيادين منتشرة في أودية وبحيرات شرق الصحراء الكبرى مثلما هي موجودة بالقرب من وادي النيل نفسه وذلك خلال فترتي العصر الحجري القديم الأسفل والأوسط. وأوضحت الأبحاث التي أجريت مؤخرًا في منطقة بئر صحراء وبئر طرفاوي (300 كلم غرب أبو سمبل) تعاقب خمس دورات على الأقل من الأحوال المطيرة التي تخللتها فترتان جافتان وأخرى تنحصر فيها المياه في بقع محدودة. ويقدر عمر أقدم الفترات المطيرة بنحو 350.000 قبل الحاضر وخلال فترة العصر الحجري القديم الأوسط نجد أن الصيادين أقاموا معسكراتهم بالقرب من مصبات الأودية في النهر أو على حافة السهل الفيضي وكذلك في أطراف سهل السافنا القريب من وادي النيل. ويبدو أن عمليات التنقل بين هذه المواقع كانت تحكمها وفرة الموارد الطبيعية التي تحدثها الأمطار ومستوى فيضان النهر الذى يعيق الإقامة في السهل الفيضي


بحلول الحقبة الأخيرة من عصر البلايوستوسين الجيولوجي (18000 – 10.000 ق.م) بدأت تسود حالة جفاف اشتدت بمرور الوقت لتبلغ ذروتها مدى لم تعرفه الأحوال المناخية في المنطقة من قبل. وتشير نتائج الأبحاث الجيولوجية والجيومورفولوجية في كل من السودان ومصر وشرق أفريقيا إلى حالة من الجفاف يعكسها انخفاض مستويات البحيرات أو جفافها تماماً كما اختفت مياه السبخات والمنخفضات في الصحراء وتوقفت الأودية من الجريان نحو النهر. أما نهر النيل فقد بلغ أدنى مستوى له خلال هذه الفترة. وفي السودان نجد أن النيل الأبيض قد تقطع تماماً لعدم وصول المياه من بحيرة فكتوريا بدرجة كافية، كما أن النيل الأزرق انخفض مستوى المياه فيه بدرجة ملحوظة. لقد زحفت كثبان الرمال بالقرب من النهر وتراجعت الأحزمة النباتية إلى لجنوب من حدودها الحالية بما لا يقل عن 500 كلم 295) ولم تتحسن أوضاع المناخ إلا مع بداية عصر الهولوسين (10.000 ق. م). لقد كان أثر الجفاف واضحًا على استيطان الصحراء فقد خلت من المواقع الأثرية الممثلة لفترة العصر الحجري القديم الأعلى وقد هاجرت مجموعات من السكان إلى وادي النيل والأودية القريبة منه حيث اختلطت في المنطقة مجموعات ذات ثقافات متباينة تعكسها مجاميع الأدوات الحجرية مختلفة الأنواع كما سيرد ذكره فيما بعد. أوضحت أعمال وندروف وآخرون في وادي الكبانية غرب أسوان حجم التأثيرات التي أحدثتها فترة الجفاف في حياة الناس وهي قد بلغت قمتها في 17.500 – 15.000 ق. م. فخلالها تجمعت مجموعات الصيادين قريباً من النهر حيث مارسوا الصيد المكثف للأسماك حيث وجدت مئات الآلاف من عظامها. ويعتقد أن الأسماك تجمع في أوقات الوفرة وتحفظ لأيام الشدة. وعندما يأتي الفيضان تزحف المستوطنات قليلاً عن النهر. وقد أضاف السكان لغذائهم النباتات والجذوع حيث تم الكشف عن الكثير من أدوات الطحن أو الجرش ضمن اللقي الحجرية. إن اعتماد مجموعات كبيرة من الصيادين على موارد النيل المحدودة أدى لمنافسة متوقعة نتج عنها اقتتال كان سبباً في موت البعض كما يدل عليه وجود شفرات في منطقة البطن من جسم أحد الهياكل المكتشفة في القبور التي نقبت والأدلة الآثارية الواضحة للموت نتيجة للعنف في هذه الفترة نجدها في جبانة جبل الصحابة بالقرب من وادي حلفا التى نقبت في الستينات من القرن الماضي إذ تبين أن ما يقرب من 40 في المائة من الأفراد ماتوا نتيجة لممارسة العنف وقد وجدت مع الهياكل رؤوس الأسهم الحجرية في مواضع تدل على الإصابة



في عصر الهولوسين الذى أعقب نهاية العصر الجليدي الأخير، بدأت تظهر في وادي النيل مثل غيره من مناطق الشرق الأدنى أنماط معيشية جديدة تقوم على الزراعة واستئناس الحيوان وصنع الفخار. سادت في هذه الفترة دورات مناخ جديدة إذ بعد آخر فيضان كبير للنهر الذى انتهى نحو 6000 ق.م. (تكوين عنيبه) صارت الفيضانات على النمط السنوي المعروف الآن تقريباً. ويلاحظ من توزيع مواقع العصر الحجري الحديث أنها تتركز بالقرب من ضفتي النهر أو قريباً من الأودية التي تصب فيه. وفي السودان يتسع مثل هذا التوزيع ليشمل سهل البطانة ودلتا نهري القاش وعطبرة. ومثلما هو متوقع فإن أحوال البيئة تتنوع بتنوع الخصائص الجغرافية في هذه الأقاليم وأصبح المناخ المحلي يؤثر بدرجة كبيرة في عمليات الاستيطان. شهد عصر الهولوسين فترتين مطيرتين رئيستين تتخللهما فترات جفاف تزيد أو تنخفض حدتهما من مكان لآخر. وتشير مجمل الأدلة الآثارية إلى أن تجمعات الصيادين باتت منذ أواخر العصر الحجري القديم الأعلى تميل نحو الاستغلال المكثف للموارد الطبيعية المتوفرة وتبقى في مناطقها لفترات أطول مما كان معتاداً في السابق. وفي الصحراء الغربية المصرية نجد أن الأحوال المناخية الطبيعية تحسنت مرة أخرى بعد فترة الجفاف الحاد سابق الذكر فهطول الأمطار الغزيرة أدى إلى احياء الغطاء النباتي حيث عادت الحيوانات إلى أماكنها الطبيعية. ففي واحات سيوة والقطارة والخارجة تحسنت الأحوال المناخية وتجمعت فيها مجاميع سكانية تدل العناصر المادية المكتشفة على أنهم تبنوا نمط حياة العصر الحجري الحديث. وقد وجدت مواقع هذه الفترة منتشرة على امتداد الصحراء الغربية في السبخات والأودية والمنخفضات حيث تمكنت بعض هذه الجماعات من استئناس الأبقار وصنع الفخار منذ الألف التاسع ق. م (). وهكذا استمرت تلك الأوضاع المناخية المواتية حتى نحو 3000 ق.م. عندما يحل الجفاف تدريجياً مرة أخرى في الصحراء مما دفع بمجموعات كبيرة من الناس نحو وادي النيل الذى تأثر هو الآخر بالتحولات الجديدة. تشكل هذه الملاحظات عن البيئة القديمة إطاراً وقاعدة نستند عليها لننظر في تسلسل الأدوار الحضارية لفترة ما قبل التاريخ في وادي النيل.



العصر الحجري القديم (الباليوليتي)

استخدم الآثاريون الذين درسوا المواد المكتشفة في المواقع التى تعود إلى هذه المرحلة الأولى من ما قبل التاريخ، المنهج المتبع في أوروبا والشرق الأدنى وبخاصة فيما يتعلق بتصنيف مجاميع الأدوات الحجرية التي تشكل المادة الأساسية التى تقوم عليها دراساتهم. وعندما تكون الأدوات المكتشفة مغايرة لما هو موجود من النواحي التقنية والشكلية فإنهم يبدون عليها ملاحظات ويعطونها اسماً محلياً لتأكيد تميزها. يقسم العصر الحجري القديم عادة إلى ثلاث مراحل هي الأسفل والأوسط والأعلى، كل واحدة منها تتميز بأنواع من الأدوات وتقنيات متخصصة في تشكليها إضافة إلى ابتكارات حضارية أخرى تتصل بحياة الناس المادية والروحية.


غير متواجد

العصر الحجري القديم الأسفل (الباليوليتي الأسفل)

المرحلة الأولى من العصر الحجري القديم تبدأ في أفريقيا بتاريخ أقدم أدوات حجرية معروفة حتى الآن وذلك في حدود مليوني سنة ونصف وهى محصورة في جنوب أفريقيا وشرقها. وتقسم صناعة الأدوات الحجرية في هذه المرحلة إلى نوعين: الأول يسمى بالصناعة الألدوانية (نسبة إلى خانق أولدواي في تنزانيا) التى تشتهر بالأدوات الحصوية البسيطة مثل السواطير والمفارم والأدوات الكروية والمطارق إضافة إلى الشظايا غير المشذبة وتستمر هذه التقنية في تصنيع الأدوات لأكثر من مليون سنة ونصف تقريباً. وقد وجدت خارج أفريقيا في مواقع قليلة في غرب آسيا وجنوب أوروبا وأكثر عدداً منها في شرق آسيا ولكن تاريخها أحدث نسبياً.



لم تعرف في وادي النيل مواقع من نوع الألدوانية في وضع يمكن تأريخه بدقة، لكن هناك ملتقطات سطحية لأدوات شبيهة بها وجدت في أكثر من مكان. ومن أهم المكتشفات الحديثة في شمال السودان يجدر الإشارة إلى موقع "كدنارتي" بجزيرة بدين إلى الجنوب من مدينة دنقلا حيث عثر على كمية من الأدوات الألدوانية مثل السواطير والقواطع وغيرها من أدوات حصوية ومعها كمية من عظام الحيوانات المختلفة المنقرضة التي قدر عمرها بين 1.6 مليون سنة ونصف المليون سنة مما يجعل الأدوات الحجرية قريبة في عمرها من المرحلة الثانية من تطور الصناعة الألدوانية والمؤرخة لنفس هذه الفترة تقريباً في شرق أفريقيا. وهكذا فإن هذه المكتشفات تمثل حتى الآن أقدم أدوات من نوعها يعرف تاريخها على وجه التقريب في السودان. يعزز هذا الاكتشاف بوضوح وجود البشريات الأولى في وادي النيل. أما ندرة المواقع الآثارية من هذا النوع فربما كان سببها التحولات التى حدثت في تكوينات الأرض، بالتالي، اختفاء الطبقات الرسوبية التى كانت تحوي مثل هذه اللقي .



أما النوع الثاني من صناعات هذه المرحلة وهو ما يسمى بالصناعة الأشولية التى تؤرخ لما بعد الألدوانية، وهى الأخرى عرفت لأول مرة في أفريقيا ولكنها واسعة الانتشار في العالم القديم بما في ذلك أوروبا. وتمتاز الأشولية ضمن ما تمتاز به بالفؤوس اليدوية جيدة التشذيب من على وجهي الأداة، ولها رأس مدبب وأطراف حادة. ويمكن تصنيعها في أشكال وأحجام مختلفة مما جعل البعض يضعها في مراحل تطورية متعاقبة. وتصحب هذه الفؤوس اليدوية ابتكارات أخرى مثل استخدام النار، واستغلال بيئات طبيعية متباينة مما يدل على قدرة الإنسان في ذلك الوقت على الحركة والتكيف مع أوضاع مناخية مختلفة. لم يكتشف بعد من الصناعة الأشولية خارج أفريقيا ما هو في حدود تاريخها في أفريقيا. ففي شمال أفريقيا، بما فيها وادي النيل، نجد المواقع الأشولية منتشرة في أكثر من مكان ولا يعرف تاريخها على وجه التحديد، لكنه يقدر في حدود نصف مليون سنة، وذلك من المعطيات الجيولوجية وخصائص الأدوات الحجرية. ويظن البعض أن احتمال وجود مواقع أشولية أقدم من ذلك في وادي النيل أمر متوقع لأنه يمثل أحد المعابر الطبيعية للإنسان في هجراته المبكرة إلى آسيا (؟). توجد المواقع الأشولية في مصر بكثرة في الصحراء الغربية وبالقرب من الواحات والآبار آنفة الذكر، ولكن القليل منها وجد بالقرب من النهر. ومثال ذلك ما اكتشف أوائل القرن الماضي في العباسية، وتلك التى وصفها ساندفورد وآركل في صعيد مصر ومنطقة النوبة. وقد حاولا رصد تسلسل صناعة الأدوات الأشولية وربطها بالمصاطب القريبة من النيل . أما المسوحات الآثارية الحديثة فقد كشفت عن العديد من المواقع الأشولية في وسط مصر حيث أمكن ربطها بتاريخ نهر النيل . كذلك وجدت في شمال السودان حول مدينة وادي حلفا. ومن المواقع المهمة في هذه المنطقة يجدر ذكر موقع أرقين 8 لكونه يمدنا بمعلومات مهمة حول الاستيطان المبكر. فقد تم الكشف فيه عن ثمانية أكوام تنتشر فوقها الأدوات الحجرية على مساحة قدرها 500 متر مربع تقريباً. وقد وجدت فيه كمية من الأحجار المرصوفة في شكل دائري يُظن أنها بقايا كوخ مما يعد شاهداً على أن الموقع كان معسكراً لإقامة الصيادين في ذلك الوقت. ومن الأدوات الرئيسة فيه الفؤوس اليدوية، والقواطع، والأقراص، والشظايا الكبيرة، إضافة إلى أنواع أخرى من الأدوات صغيرة الحجم نسبياً. وفي النوبة السودانية وعلى المرتفعات بعيداً عن ضفة النهر وجد عدد من المواقع الأشولية التى حوت أنواعاً من الأدوات المشذبة بدرجة تشير إلى تطور تقني ونوعي ربما استغرق وقتاً طويلاً .



وقد لاحظ أنطوني آركل من قبل هذه الاستمرارية الطويلة في الاستيطان الأشولي عندما نقب في موقع أبو عنجة جنوب أم درمان بالقرب من نهر النيل. وكشفت الحفريات هناك على عدة طبقات أحدها مكونة من مترسبات فرع لنهر قديم يسبق النيل الحالي وفيها وجدت كمية كبيرة من الأدوات الأشولية أميزها الفؤوس اليدوية المتنوعة الأشكال



ومهما كانت معلوماتنا عن هذه الفترة شحيحة مقارنة بالمناطق المجاورة إلا أن ما هو معروف حتى الآن يشير بوضوح إلى انتشار صيادي العصر الحجري المبكر على طول النيل. والأبحاث الميدانية الجارية الآن في أكثر من مكان في مصر والسودان لا بدًّ أن تمدنا بمعلومات جديدة خاصة وقد توفر لها الإمكانيات العلمية الحديثة مما يؤهلها لذلك.



العصر الحجري القديم الأوسط

خطى البشر خلال الفترة الممتدة من 150.000 قبل الحاضر خطوات مهمة في اتجاه تحسين مستوى تصنيع أدواته وتنويعها وإضافة مواد أخرى في قاعدة غذائية باستكشافه لمناطق جديدة في العالم بما فيها الأقاليم الباردة من أوروبا. وفي هذا العصر أيضاً شاع استخدام النار بأكبر مما كان وبرزت بوادر الفنون البسيطة متمثلة في صنع الخرز ورسم الخربشات البسيطة على العظم أو الحجر كما بدأ الإنسان دفن الموتى ولو بطريقة بدائية. إن أهم ما يذكر عادة في مجال تصنيع الأدوات هو اعتماد تقنية جديدة تستخدم لتجهيز النوى بطريقتين متخصصتين يسميان الليفالوازية والموستيرية وتشتهران في مناطق في أوروبا وشمال أفريقيا وشرق المتوسط. وكانت معظم أدوات الإنسان في هذه المرحلة تشكل على الشظايا عوضاً عن كتل الحصى أو الفؤوس في العصر السابق كما أن تشذيبها يعكس قدرة وتحكماً تقنياً واضحاً. أشرنا آنفاً إلى أن بعض الباحثين ظنوا أن وادي النيل لم يسهم في تطورات هذه المرحلة مع غيره ولكن آراءهم تغيرت بعد الاكتشافات الحديثة التي أوضحت بجلاء ثراء المنطقة الحضاري بل وتميزها بتقاليد في تشكيل الأدوات الحجرية بأسلوب غير معروف في الأقاليم المجاورة. ومهما يكن من أمر فإن مجمل الأدلة الآثارية فيها ما يكفي لجعل وادي النيل ضمن الدائرة الحضارية التى تشمل حوض المتوسط وغرب آسيا وأوروبا Marks,1968a:149-58. وخلال الفترة المشار إليها تمكن الإنسان من التكيف مع البيئة النيلية التي أصبحت جزءاً من دورة الحياة والاقتصاد المعيشي للصيادين إذ نجد مواقع صناعة خور موسى في منطقة وادي حلفا، على سبيل المثال، قريبة من النهر على السهل الفيضي. وتدل عظام الحيوانات على أن أصحابها استغلوا بيئة السافنا مثلما استفادوا من أسماك البرك والمستنقعات القريبة من النهر Marks,1968b:315-391. ومن جهة أخرى أوضحت الدراسات الحديثة أن بعض تقنيات صناعات العصر الحجري القديم الأوسط استمرت في وادي النيل لفترة طويلة بعد أن اختفت من أمكنة كثيرة في الشرق الأدنى. وكما سيأتي ذكره فإننا نجدها أحياناً جنباً إلى جنب مع تقنيات العصر الحجري القديم الأعلى، أي، مع المرحلة التي تليها.



توجد معظم مواقع العصر الحجري القديم الأوسط في أواسط مصر وجنوبها وفي النوبة السودانية إضافة إلى الصحراء المصرية، كما ويُعرف القليل منها في بقية شمال السودان حيث تم تحديد بعض مواقعها في منطقة دنقلا Elamin,1981:101-118 . وفي السودان إلى الجنوب من النوبة يقتصر وجودها على ملتقطات سطحية وقليل من المواقع التي تحوى طبقات رسوبية. ومن الواضح أن شكل ومحتوى هذه المرحلة ينطوي على اختلافات حضارية وينتظر تحديد معالمها المسوحات الآثارية التي تفتقدها معظم أقاليم السودان إلى الجنوب من النوبة. لم يكن متاحاً تحديد عمر الصناعات الموستيرية في النوبة السودانية سوى عن طريق المقارنات الشكلية والظواهر الجيومورفولوجية التي ترتبط بها تلك اللقي. ومن جهة أخرى كان من الممكن الحصول على تواريخ راديوكاربونية (الكربون المشع14) لمواقع صناعة خور موسى التى تُعد الآن ضمن الصناعات الحجرية لهذه الفترة إذ اتضح أنها ترجع إلى فترة أقدم من 35.000 ق.م.



وفي أواسط مصر كشفت الأبحاث الحديثة عن عدد من مواقع الفترة حول ابيدوس وسوهاج متصلة بنظام نهر النيل حيث وجدت الأدوات والمواد العظمية في أمكنتها الأصلية. ولا تختلف مجاميع الأدوات الحجرية عن مثيلاتها في المنطقة حيث توجد فيها التقنية الليفالوازية بوضوح، وقد تمكن الذين نقبوا في هذه المواقع من توثيق تسلسل تطوري يربط بينها وبين صناعة المرحلة التالية من العصر الحجري القديم الذى ينسب إلى فترة انتشار ما يسمى بسلالة الإنسان العاقل عاقل . وفي الصحراء الغربية المصرية وامتدادها في شمال السودان كشفت المسوحات الآثارية عن العديد من المواقع التى تعود لهذه الفترة وهي قريبة من موارد المياه وما يتصل بها من عناصر طبيعية نباتية وحيوانية وفرت قاعدة غذاء كافية لمجموعات الصيادين. ومن أمثلة هذه المواقع المهمة ما اكتشف في بئر طرفاوي وبئر صحراء حيث أمكن تحديد ثلاثة تقاليد في تشكيل الأدوات الحجرية تعكس تنوعاً في أسلوب تصنيع الأدوات وفي أشكالها، وهى الموستيرية التي تغلب عليها الأدوات المسننة والمكاشط والرؤوس وتتميز بكبر حجم الأدوات، ثم تليها أخرى تمتاز، إضافة للأنواع السابقة، بوجود قليل من الأدوات ورقية الشكل وهى مشذبة الوجهين، أما الثالثة فتميزها القطع الورقية المذكورة بأعداد أوفر إضافة إلى الرؤوس المجنحة ومشذبة الوجهين. والأخيرة تنسب إلى تقليد صناعة بئر العاتر (الصناعة العاترية) واسعة الانتشار في شمال أفريقيا وعبر الصحراء حتى وادي النيل


وفي النوبة السودانية كُشف عن عدد من التقاليد في تصنيع مجاميع الأدوات الحجرية التى جمعت من عشرات المواقع. ويعكس بعضها صفات محلية تتمثل في أشكال بعض النوى التى تختلف عن الأنواع المعهودة في شمال أفريقيا أو في شرق المتوسط. كذلك لوحظ أن بعض الأدوات المشذبة تشبه في بعض خصائصها أدوات مماثلة من شرق أفريقيا ووسطها مما يرجح احتمالات الاتصال الثقافي مع دواخل القارة الأفريقية. ونسبة لهذه الخصائص أطلق عليها مسمى الصناعات الموستيرية-النوبية. وهناك مجاميع أدوات أخرى تحمل مواصفات مشتركة أطلق عليها الصناعة الموستيرية ذات الأدوات المسننة. لقد بنيت هذه التقسيمات على أسس التصنيف النوعي والتقني على نحو ما تم في دراسة الصناعات الموستيرية في أوروبا والشرق الأوسط.



وجدت جميع المواقع الموستيرية-النوبية فوق السطح في المرتفعات القريبة من النهر ولا يتعدى عدد المدروس منها أحد عشر موقعاً. وقسم الموستيري-النوبي إلى نوعين (أ) و(ب) على أساس وجود الفؤوس اليدوية أو غيابها في كل منهما، وتشمل المجموعة (أ) ستة مواقع بينما تشتمل المجموعة (ب) على ثلاثة مواقع فقط. تتميز الأدوات المشذبة في المجموعة (أ) بكثرة الأنواع الموستيرية المعروفة مثل المكاشط والمسننات والسكاكين، ولكنها تختلف عن مثيلاتها في أوروبا بغياب الرؤوس الليفالوازية المعروفة. أما الموستيري ذو الأدوات المسننة فإنه يستخدم التقنية الليفالوازية، مثله مثل الموستيري النوبي، إلا أن نسبة الأدوات المسننة فيه عالية جداً. ويعتقد أن هذه الصناعات الحجرية تمثل مخلفات لمجموعات بشرية ذات تقاليد ثقافية مختلفة، وهو التفسير نفسه الذى طرحه فرانسوا بورد من قبل للتنوع الموجود في الصناعات الموستيرية في جنوب غرب فرنسا . وفي دراسة مفصلة لاحقة تخطت التصنيف الشكلي للأدوات إلى اعتماد عناصر تقنية أخرى دقيقة، واقتراح نموذج تحليلي يرجع ظاهرتي الشبه والاختلاف إلى تنوع في مستويات التكيف البيئي، واختلاف في وظائف المواقع نفسها وما وجد فيها من لقي

ينسب الآن إلى العصر الحجري القديم الأوسط أيضاً ما يعرف بصناعة خور موسى التى عرّفها أول مرة أنطوني ماركس عندما درس المادة الآثارية التى جمعت من سبعة مواقع بالقرب من وادي حلفا. وقد وصفها في البداية بأنها صناعة حجرية متميزة تأتي زمنياً وحضارياً بعد الصناعات الموستيرية المنسوبة للعصر الحجري القديم الأوسط وذلك اعتماداً على تفسير خاطئ لأمكنة بعض المواقع في التسلسل الطبقي لترسبات النيل، ولأخطاء علمية صاحبت تحديد التواريخ الراديوكاربونية (الكربون المشع14) التي أمكن الحصول عليها في وقت تلك الدراسة. تعتمد صناعة خور موسى على تشكيل أدوات الشظايا المنتجة أساساً من نوى ليفالوازية وتميزها من الأدوات المشذبة- المناقش والمكاشط. اعتمد أصحاب هذه الثقافة على الصيد البري لحيوانات سهل السافنا الكبيرة، وكذلك على الأنواع القريبة من النهر، ثم أضافوا إليها الأسماك التي وجدت بقاياها مع اللقي الحجرية. ومن المتوقع بطبيعة الحال أنهم استغلوا أيضاً الموارد النباتية ليكملوا متطلبات الغذاء ذلك لأن مواقعهم كانت محصورة في السهل الفيضي للنهر. وفي وقت لاحق تمت مراجعة تأريخ صناعة خور موسى بحيث اتفق الباحثون بإرجاعها إلى تأريخ يبلغ 40.000 ق.م.، كما أعيدت دراسة مجاميع الأدوات الحجرية على أسس جديدة فأتضح أنها تمثل وجهاً آخراً من وجوه صناعات العصر الحجري القديم الأوسط. وهى عموماً تقليد محصور في منطقة وادي حلفا إذ أن أقصى نقطة شمالية وجدت فيها هي وادي الكبانية في جنوب مصر، كما أنها لم توجد إلى الجنوب من الشلال الثاني


وأوضحت دراسة أخرى أن صناعة خور موسى معاصرة للموستيري-النوبي وأن الاثنين معاً يعودان للمجموعة السكانية نفسها التى عاشت في منطقة وادي حلفا في الفترة ما بين نحو 60.000 و 30.000 قبل الحاضر تقريباً. إن الاختلاف في توزيع أمكنة المواقع وفي محتوياتها يرجع أساساً إلى تنوع في البيئة بسبب التغير في المناخ وفي منسوب النهر مثلما يرجع الاختلاف في استراتيجيات التكيف البيئي والوظائف، المتمثل في التنقل الموسمي بين السهل الفيضي (مواقع خور موسى) وبين سهل السافنا (مواقع الموستيري-النوبي). وهكذا فإن وادي النيل شهد في فترة العصر الحجري القديم الأوسط عددًا من الصناعات الحجرية ذوات تقاليد تقنية متنوعة بعضها متزامن وبعضها الآخر متعاقب زمنياً. وكلها تعبر عن التطور الثقافي في هذه الفترة على الرغم من صعوبة تحديد الكثير من تفاصيل حياة السكان في ذلك الوقت

العصر الحجري القديم الأعلى

يُعد هذا الدور من أهم مراحل فترة ما قبل التاريخ نسبة لما حدث خلالها من تطور في حياة الإنسان المادية والروحية كما تدل عليه المكتشفات الآثارية على مدى سنوات طويلة في أوروبا والشرق الأدنى. لقد حدثت في هاتين المنطقتين بصفة خاصة تحولات ثقافية مسّت كل أوجه حياة الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والفكرية خلال هذه الحقبة مما جعلها قاعدة انطلقت منها كل التطورات الثقافية العميقة التي أنجزتها البشرية في نهاية ما قبل التاريخ. تحوي المواقع الآثارية التى ترجع إلى هذه الفترة ثروة من الأدوات الحجرية المتميزة، وكذلك العظمية، وأدوات الزينة، والرسوم الجدارية الملونة، وأشغال النقش والنحت المختلفة. وقد تمكن الإنسان من ارتياد مناطق جغرافية جديدة أتاحت له موارد غذائية متنوعة تكفي الأعداد المتزايدة نسبياً من البشر.



لقد كانت منطقة الشرق الأدنى أحد المراكز الأولى التى ظهرت فيها هذه السمات الثقافية الجديدة، بخاصة شرق المتوسط وشمال أفريقيا، وذلك نحو 42000 قبل الحاضر. تبدو أولى سمات التغير في تشكيل الأدوات الحجرية عندما حلت تقنية تصنيع الشفرات والنصال مكان تصنيع الشظايا. وتبدأ هذه الخطوة بتجهيز نواة هرمية بطريقة غير مباشرة في اتجاه طولي لكسر النصل أو الشفرة، وفي أواخر الفترة ظهرت تقنية أخرى تقوم على الضغط باستخدام قرون الحيوان مما أتاح قدراً كبيراً من التحكم في عمل الأدوات. وأضاف الإنسان لها أدوات جديدة شكلها من العظم والعاج والخشب. تزامن ذلك مع انتشار السلالة البشرية المعروفة باسم الإنسان العاقل عاقل (أي، الإنسان الحديث تشريحياً (



لم يكن وادي النيل بطبيعة الحال بعيداً عن مجريات هذه التطورات فقد أسهم مع غيره من مناطق العالم القديم بقدر كبير في إثراء التجربة الإنسانية في تلك المرحلة من تطور الثقافة. أوضحت المكتشفات الآثارية الحديثة ظهور تقنيات صناعة أدوات العصر الحجري القديم الأعلى في أواسط مصر نحو 37.000 قبل الحاضر على غير ما كان متعارف عليه في السابق مما يضع هذا الجزء من وادي النيل في مصاف أوروبا الغربية وشمال أفريقيا. وأشار الذين نقبوا في هذه المواقع إلى عدم تمكنهم من الكشف عن أدلة تشير إلى تطوير هذه التقنيات الحديثة محلياً بل أنهم يعتقدون بأن ظهورها كان بفعل وصول تيارات ثقافية من خارج المنطقة من شرق المتوسط أو الداخل الأفريقي. وهناك مواقع وجدت فيها كلتا تقنيتي العصر الحجري القديم الأوسط والأعلى معاً. طرحت في السنوات القليلة الماضية إشكالية انتشار الإنسان العاقل عاقل وكان محورها نظرية المهد الأفريقي وانتشاره من هذه القارة إلى بقية أقاليم العالم القديم. وطرح الباحثون فكرة اعتبار وادي النيل أحد المعابر الطبيعية لانتقال تلك السلالة من البشر، خاصة بعد اكتشاف هيكل عظمي في أحد مواقع منطقة سوهاج وصف بأنه من نوع الإنسان العاقل عاقل



اللافت أن الاستيطان البشري اتجه نحو التركيز على السهل الفيضي كلما تقدم الزمن خلال هذا العصر، ربما كان ذلك بفعل الجفاف الشديد الذى حل بالمنطقة وأدى إلى نزوح الجماعات الصحراوية إلى منطقة وادي النيل كما أشير إليه سابقاً. فالسهول مثل كوم أمبو، ودشنا، وعند مداخل الأودية الكبيرة صارت مناطق كثافة سكانية. أما في شمال السودان فقد وجدت القليل من المواقع التى تحمل تقنية إنتاج النصال والشفرات بل أنه لم يكتشف مثلها في أواسط السودان سوى ما كان في خشم القربة على نهر عطبرة حيث وجد عدد من المواقع المتأخرة زمنياً تعود لنحو 10.000 ق.م. أي، ما يقابل نهاية العصر الحجري القديم

إن الخاصة البارزة لتقاليد صناعات الأدوات الحجرية في مصر العليا حتى النوبة السودانية هي الثنائية المتمثلة في استخدام تقنيتين مختلفتين لإنتاج الأدوات. استخدمت التقنية الأولى لعمل النصال، والشفرات الرفيعة، وأدوات أخرى مثل الأزاميل، والمكاشط الطرفية، والمثاقب، وغيرها. وتمثلت الثانية في التقاليد التى احتفظت بالتقنية الليفالوازية أو عدلت من شكلها مع مرور الوقت، لكن التركيز يظل قائماً على استخدام الشظايا لعمل الأدوات المشذبة دون النصال. وكشفت أعمال المسوحات والتنقيب الآثاري في المنطقة الممتدة من أسوان شمالاً حتى سوهاج عن العديد من الصناعات الحجرية التى نسبت لجماعات من الصيادين الذين عاشوا خلال الفترة الممتدة من 20.000 قبل الحاضر حتى نهاية العصر الحجري القديم. وعلى الرغم من أنهم كانوا يعيشون في بيئة نيلية واحدة فإن العناصر المادية لثقافتهم كانت متباينة، لهذا آثر الذين درسوها إعطائها أسماء مختلفة مثل ثقافات الفاخوري، والسبيل، وأسنا، والسلسلة، وعافية، والمنشية، والكبانية


لقد استغلت هذه الجماعات الموارد المحلية بصورة جيدة وركزت على الحبوب البرية وجذوع النباتات المفيدة غذائياً كما تشير إليه أدوات الطحن الحجرية ونتائج الفحص المجهري الذى أجرى على الشفرات والنصال. وأصدق مثال لهذا الاستغلال المكثف للحبوب البرية والأسماك نجده في وادي الكبانية حيث أمكن تحديد نحو عشرين نوعاً من النباتات التى تمت الاستفادة منها في الطعام. وكان أغلبها من الأنواع الدرنية المتوفرة محلياً. لقد تمكن الصيادون في هذه المواقع من إدارة الموارد الطبيعية المتاحة بطريقة تجعلهم مقيمين في المنطقة معظم السنة. وتشير المعطيات الآثارية إلى أنهم، رغم ما توفر لهم من قدرات، لم يتمكنوا من الانتقال لمرحلة إنتاج الطعام عن طريق ممارسة الزراعة مباشرة



وفي النوبة السودانية كشف التنقيب الآثاري أيضاً عن عدد كبير من المواقع وصنفت محتوياتها من اللقي إلى عدد من التقاليد الثقافية التى عاش أصحابها في تلك المنطقة متعاصرين أحياناً أو متعاقبين زمنياً أحياناً أخرى. ويلاحظ التنوع في أشكال الأدوات الحجرية وتقنياتها مثلما هو الحال في صعيد مصر. ومن صناعات النصال المبكرة نسبياً وجد مثال واحد لها بالقرب من وادي حلفا أطلق عليه اسم الصناعة الحلفاوية تم التعرف عليها في عدد محدود من المواقع لا يتجاوز العشرة. ومع أن الصناعة الحلفاوية تحوي على نسبة مقدرة من النصال وأدواتها إلا أنها احتفظت بالتقنية الليفالوازية المعروفة في أدوات العصر الحجري القديم الأوسط. ولهذا السبب يرى البعض أن أسلوب صناعة النصال دخل هذه المنطقة متأخراً إذ لا توجد لها أصول محلية وذلك نحو 15000 ق.م. أما المجموعات الأخرى من التقاليد في صناعة الأدوات الحجرية، التي يعود تاريخها إلى أواخر الفترة، فقد برزت فيها الأدوات القزمية (الميكروليثية) ذات الأشكال الهندسية- مثل المثلثات، والأهلة، والمكاشط، والشظايا المشحوذة. ونذكر من هذه الثقافات المتأخرة ما تمثله صناعة جمى، وبلانة، وعبد القادر. بحلول الألف التاسع ق.م. حتى ظهور الفخار انحسر عدد المواقع في النوبة السودانية، وربما يعود السبب في ذلك إلى كثرة فيضانات النهر القوية والمتكررة خلال هذه الفترة التى ربما أثرت سلباً في البيئة النيلية المعتادة، بالتالي، أدى ذلك إلى هجرة جزء من السكان إلى مناطق أخرى.

العصر الحجري الحديث

أنجزت بعض المجتمعات في هذا العصر – بعد نهاية العصر الجليدي – ابتكارات مهمة كان لها الأثر البعيد في تشكيل مستقبل الثقافات الإنسانية. ويطلق عليها علماء الآثار "مرحلة إنتاج الطعام" أو "الثورة الزراعية" إشارة إلى تمكن الإنسان من الانتقال من اقتصاد معيشي استحواذي يقوم على الصيد والجمع والالتقاط وحياة التنقل المستمر، إلى اقتصاد معيشي إنتاجي عماده الزراعة وتربية الحيوان. وكان توفير الغذاء عاملاً حاسماً في استقرار مجاميع الصيادين في مستوطنات شبه دائمة أولاً، ثم تحولت إلى قرى دائمة تكونت عبرها أنظمة اجتماعية وثقافية واقتصادية جديدة. تطورت خلال ذلك الصناعات الحرفية بأنواعها لتواكب أنماط الاقتصاد المعيشي الجديد وصارت المجتمعات تتبادل المواد والسلع بطريقة غير معهودة مما أدى إلى نموها. من معدات الإنسان المستخدمة الأدوات الحجرية المصقولة وغيرها مما يناسب استقلال البيئة لتوفير الغذاء. كما تمكن الإنسان من صنع الأواني الفخارية الضرورية لحفظ الطعام أو إعداده. لم تظهر هذه السمات الثقافية كلها في وقت أو مكان واحد، إلا أن هناك مناطق من العالم القديم لها قصب السبق. ففي بعض أقاليم الشرق الأدنى تحقق معظم أو كل هذه الخطوات بحوالي الألفية الثامنة قبل الميلاد. وفي الوقت نفسه، على أقل تقدير صناعة الفخار في كل من أواسط السودان والصحراء الكبرى قبل أن يتمكن الإنسان من الزراعة أو استئناس الحيوان. أما في مصر وشمال السودان فلم تظهر ثقافات العصر الحجري الحديث إلا ما بين الألفية السابعة والخامسة ق.م. تقريباً، خاصة إذا ما اعتمدنا وجود معظم خصائصها شرطاً لبداية المرحلة. ففي ثقافة الخرطوم المبكرة تمت صناعة الفخار خلال الألفية الثامنة ق.م. على أقل تقدير، ولم يصحب ذلك إنتاج للطعام، كما أننا نجد في جنوب مصر مستوطنات شبه دائمة أقام أصحابها لأواخر العصر الحجري القديم مثل وادي الكبانية ومنخفض نبتة ولكنها لم تحقق الزراعة في ذلك الوقت.



نسبة لظهور الفخار مبكراً في أواسط السودان وتحديداً في موقع الخرطوم المبكرة فسوف نبدأ به وصف ثقافات هذه الفترة. الجدير بالذكر هنا أن الأبحاث الحديثة الجارية الآن كشفت عن العديد من المواقع الأثرية المهمة التى تحوي معطياتها على معلومات غزيرة غيرت كثيراً من المفاهيم القديمة عن هذه الفترة، بالتالي، سيعتمد هذا الاستعراض على اختيار المواقع والمواد ذات الأهمية المركزية كأمثلة دالة على تطور ثقافة العصر الحجري الحديث في وادي النيل. يُعد موقع الخرطوم المبكرة أحد أهم المواقع التى نقب فيها أنطوني آركل في الأربعينات من القرن الماضي. ومن المعروف أن ما وضعه آركل من مفاهيم وتصور لتطور ثقافات العصر الحجري الحديث صار مرجعاً للدارسات في هذا الموضوع لوقت طويل. وصف آركل الموقع بأنه عبارة عن موقع إقامة شبه دائم، كبير الحجم، أقيم على ضفاف النهر القديم حيث اعتمد السكان فيه على صيد الحيوانات البرية وصيد الأسماك وغيرها من برمائيات وأضافوا إليها الحبوب البرية والثمار الطبيعية. وقد شكل أصحاب تلك الثقافة أدواتهم الحجرية من الأنواع صغيرة الحجم مثل الأهلة، والمكاشط، والمثاقب، وغيرها. كذلك كان من معداتهم الصنانير (الخطاطيف) العظمية ذوات الأسنان من جانب واحد والمثقوبة في أحد الطرفين. ويتصل بمعدات صيد الأسماك الأحجار المستديرة التى تستخدم في الصيد. أما استغلال الحبوب البرية فتدل عليه أحجار الطحن والهونات.



تمكن سكان الخرطوم المبكرة من صنع الفخار غير المصقول تزينه خطوط متصلة مموجة وأخرى متقطعة مموجة أو متعرجة اضافة إلى أنواع أخرى من النوع الخشن خالية من العناصر الزخرفية. دفن سكان الخرطوم المبكرة موتاهم داخل موقع الإقامة واضعين الميت في وضع قرفصائي داخل الحفرة. ولم يتمكن الناس في ذلك الوقت من استئناس الحيوان أو ممارسة الزراعة وإن لم يكن ممكناً الحصول على تاريخ مؤكد لثقافة الخرطوم المبكرة عندما نُقب في الموقع إلا أن مواقع أخرى حفرت فيما بعد ووجد فيها فخار الخرطوم أمكن تأريخها بالألفية الثامنة قبل الميلاد. وقد وجد أن فخار الخرطوم بزخارفه المعروفة قد انتشر في رقعة جغرافية واسعة تمتد على طول وادي النيل شمالاً حتى جنوب مصر وفي الصحراء الكبرى حتى النيجر. ويعتقد معظم الباحثين أن هذا الفخار ظهر أولاً في الخرطوم ثم انتشر بعد ذلك بوسائل مختلفة إلى هذه الأقاليم



يكتمل تطور حضارة الخرطوم حسب رأي آركل في موقع الشهيناب المهم الذى نقب فيه مطلع الخمسينات من القرن الماضي. ويُعد موقع الشهيناب على بعد 50 كلم للشمال من الخرطوم الموقع النموذجي لثقافات العصر الحجري الحديث في وادي النيل الأوسط. وكشفت التنقيبات عن موقع إقامة كبيرة نسبياً على ضفة النهر الغربية اعتمد أصحابها في غذائهم على صيد الحيوانات البرية والأسماك واستأنسوا الأغنام والماعز والأبقار. ومع تحقيقهم لذلك المستوى من تأمين الغذاء إلا أنه لم يكتشف دليل مباشر على ممارسة الزراعة سوى المجارش الحجرية التي ربما استخدمت في معالجة الحبوب البرية. وقد صنعوا أدواتهم من حجر الكوارتز والريولايت وهى في معظمها من النوع الصغير مثل الأهلة، والمثاقب، والمكاشط، ومن أميزها المظفار (الفأس) الحجري. أما فخار الشهيناب فقد كان مصقولاً ومتنوع التشكيل ومزخرف بالخطوط المحززة المتوازية، أو المتعرجة المتصلة أو المتقطعة أو الشبكية. كذلك استخدموا العظم في صنع الأدوات ومنها الصنانير (الخطاطيف) المسننة من جانبين. تؤرخ ثقافة الشهيناب إلى بداية الألف السادس قبل الحاضر. وكان آركل يعتقد أنها تطور طبيعي لثقافة الخرطوم المبكرة واستشهد بما وجده في موقع القوز جنوب الخرطوم من تعاقب طبقي لمخلفات كلتا الثقافتين . صار هذا الرأي مقبولاً لوقت طويل دون مراجعة تذكر حتى جاءت الأبحاث الحديثة التى أثارت الشكوك حول كيفية الانتقال إلى ثقافة الشهيناب بخصائصها المكتملة إذ أن بعضها ربما كان نتيجة لمؤثرات جاءت من خارج المنطقة. كذلك أثيرت قضية مآلاتها بعد الألفية الأخيرة من فترة ما قبل التاريخ .



ومهما يكن من أمر تسلسل ثقافات العصر الحجري الحديث وأصولها فإن الأبحاث المستمرة حتى الآن في وادي النيل كشفت عن المزيد من المعلومات المهمة المطلوبة لمعرفة حياة الناس الاقتصادية والاجتماعية والفكرية في ذلك الوقت. وقد تم التنقيب في عدد من مواقع الخرطوم المبكرة مثل السقاي، والسروراب، وأم مرحي حول مدينة الخرطوم، وكذلك في الدامر، وعنيبس، وأبودربين عند التقاء نهر عطبرة بنهر النيل. تشير الأدلة الآثارية إلى أن معظم هذه المواقع كانت عبارة عن قرى صغيرة عاش فيها الناس بصفة دائمة أو شبه دائمة مع أنهم لم يشيدوا بيوتاً تحمل صفات معمارية وإنما شيدوا الأكواخ المصنوعة من أعواد الخشب والجلود واعتمدوا في غذائهم بالتركيز على صيد الأسماك والحيوانات البرية. وتدل عظام الأسماك الموجودة بكثرة في هذه المواقع إلى أن بعضها من الأنواع التى تعيش في المياه العميقة والبعض الأخر من تلك التي تعيش في البرك والمجاري المتصلة بالنهر. وهناك من الأدوات الحجرية ما استخدم في جرش الحبوب البرية وغيرها من مواد نباتية. عرفت هذه المجتمعات أيضاً تشكيل الأواني الفخارية التى تعد شيئاً مكملاً لأدوات الإنتاج في مثل هذا الاقتصاد المعيشي. وهكذا فإن إمكانية صنع الصنارة العظمية ساعد في عمليات صيد الأسماك المكثف ومع وجود ما يكفي من الحبوب البرية وتقنية معالجتها صار للإنسان مصدر مأمون للغذاء ومع درجة من الاستقرار النسبي أدى ذلك بدوره إلى زيادة ملحوظة في أعداد أفراد مواقع الإقامة هذه الشئ الذى تدل عليه كمية المواقع الكبيرة. ويرى بعض الباحثين أن هذه الأوضاع كانت مدخلاً طبيعيًا لظهور الزراعة الشئ الذى حدث فعلاً في ثقافة الشهيناب

اكتشفت مواقع ثقافة الشهيناب بأعداد كبيرة في وادي النيل الأوسط، فبالقرب من الخرطوم نجد الجيلي، والزاكياب، والكدرو، وغيرها. وتعكس المواد المكتشفة فيها الخصائص المعروفة نفسها في الموقع النموذجي آنف الذكر. اعتمد سكانها على الصيد البري والمائي واستأنسوا الماعز والأبقار والأغنام وتمكنوا من زراعة الحبوب المحلية (الذرة). ومن أدواتهم الصنانير العظمية والأدوات المصقولة إضافة إلى الأنواع ذات الأشكال الهندسية المشهورة في ذلك الوقت. تحققت تلك المنجزات في الفترة من 4000 إلى 3000 ق.م. يرى بعض الباحثين أن فكرة استئناس الحيوان لم تكن انجازاً محلياً إنما وفدت إلى وادي النيل من الصحراء الكبرى عندما ازدادت موجات الجفاف في وقت بداية ظهور هذه المجتمعات. ويعتقد أيضاً أن دخول الحيوان في دورة الاقتصاد المعيشي في وادي النيل أدى بمرور الوقت إلى تغيير في أنماط الإقامة، إذ انتشرت المعسكرات الصغيرة لإقامة الناس المؤقتة الأمر الذى يفرضه حال التنقل مع قطعان الماشية، هذا مع استمرار الإقامة في المواقع الكبيرة شبه الدائمة. وفي النوع الأول من المواقع وجد أن طبقاتها تحوي كميات من عظام الحيوانات بينما لا يوجد دليل على استغلال موارد المياه مثل الأسماك. وبمرور الوقت تحولت قطاعات من سكان المنطقة إلى الرعي المتخصص والاعتماد على منتجات الحيوانات أكثر فأكثر مثل الألبان والدم. وقد عُرف الرعي طريقة للحياة في الصحراء قبل مطلع الألفية الخامسة ق.م. حيث نال أهمية اقتصادية متنامية وربما انتقلت هذه الحرفة إلى وادي النيل حيث يلاحظ تاريخياً الزيادة الملحوظة في عدد مواقع الرعي المؤقتة على حساب مواقع الإقامة الدائمة



لم تكن مواقع الخرطوم المبكرة أو الشهيناب محصورة في وادي النيل الأوسط وإنما وجدت أيضاً على النيل الأبيض حتى مدينة كوستي جنوباً وفي سهل البطانة وشرق السودان. ولعل أجدر المواقع بالذكر في هذا المقام كهف شق الدود الذى يقع على بعد 50 كلم تقريباً إلى الشرق من الخرطوم، فقد كشفت الدراسات التي أجريت مؤخراً عن أطول تسلسل ثقافي لفترة العصر الحجري الحديث في كل وادي النيل وجد في مكان واحد. يبلغ ارتفاع طبقات الرديم التى كونت أمام مدخل الكهف حوالي ثلاثة أمتار ونصف المتر. وتحتوي أقدم طبقة فيها على مواد أثرية من الأنواع المعروفة في فترة منتصف الألفية السادسة ومنتصف الألفية الخامسة ق.م. وكان الاقتصاد المعيشي حينئذ يقوم على الصيد والجمع. أما الطبقات العليا فتحتوي على مواد شبيهة بمواد ثقافة الشهيناب مع وجود فخار محلي غير معروف في المواقع النيلية. كذلك لم يتمكن الناس هنا من استئناس الحيوان كما فعل معاصروهم في منطقة الخرطوم – أما طبقات الرديم داخل الكهف فقد كشف فيها عن تسلسل لأنواع الفخار مثل الأسود الرقيق المصقول، والمزخرف بخطوط متصلة، إلى جانب أنواع أخرى غير مصقولة. ولم تؤكد نتائج التنقيبات صلة واضحة بين محتويات هذه الطبقات وتلك الواقعة خارج الكهف. وفي الطبقات العليا داخل الكهف عُثر على أنواع من الفخار الذى يحمل زخارف تظهر في المنطقة لأول مرة، كما وجدت عظام حيوانات مستأنسة مثل الأبقار والكلاب لكنه لم يعثر على ما يدل على معرفة بتربية الأغنام أو الماعز (محمد علي، عباس والأمين، يوسف 1992:76-80).



وجدت مواقع العصر الحجري الحديث في أمكنة متفرقة في شمال السودان ومعظمها غير مؤرخ بصورة مؤكدة، كما يندر فيها وجود المواد العضوية التى تدلنا على نوع الحياة فيها. إن أهمها قد اكتشف في منطقة الشلال الثاني وتعود لفترات مختلفة من ذلك العصر عرف منها ما يسمى الصناعة الشمارقية التى وجدت مواقعها بالقرب من وادي حلفا وتؤرخ بحوالي 4.500 – 4000 ق.م. وتحتوي على قليل من الفخار، ولا يوجد فيها ما يدل على ممارسة الزراعة أو تربية الحيوان. ومن المجموعات التى مارست إنتاج الطعام تلك التى تمثلها صناعة عبكة التى اشتهرت بالفخار الملون بالأحمر أو البني كذلك فيه أنواع شبيهة بفخار الشهيناب. وهناك أيضاً في المنقطة نفسها عدد من المواقع أطلق على محتوياتها من فخار ومواد أخرى مسمى "ثقافة الشهيناب المحلية". وتشير الأدلة الآثارية عموماً إلى أن هذه المواقع لا تشكل في الواقع تجمعات سكنية كبيرة كما لا يعرف أيضاً كيف أفضت إلى ما يسمى بثقافة المجموعة الأولى المعروفة برعي الأبقار وهي تقابل في مصر الثقافة ما قبل الأسرية


يكتسب الحديث عن ثقافات العصر الحجري الحديث وتأسيس مرحلة إنتاج الطعام في مصر أهمية خاصة ذلك لأنها تمثل الظرف الثقافي الذى انبثق منه أقدم وأعظم نظام دولة مركزية في الشرق الأدنى في أواخر الألفية الرابعة ق.م. (مع ملاحظة وجود رأي يقول بأقدمية انبثاق الدولة في سومر بالجزيرة الفراتية -أركامانى) كانت معلوماتنا عن فترة العصر الحجري الحديث في مصر شحيحة ومحصورة في نتائج أعمال آثارية أجريت في مواقع محدودة. أما اليوم فقد توفرت معلومات غزيرة نتيجة لاهتمام العلماء بأهمية البحث الميداني في موضوع أصل الحضارة المصرية القديمة. وتنشر التقارير العلمية تباعاً عن الأعمال الميدانية التى تغطي مساحات واسعة من وادي النيل في مصر وفي صحراء مصر الغربية الشئ الذى أضاف بعداً جديداً في تناول قضية أصل الزراعة، ومن ثم قيام الدولة المركزية لاحقاً. ويتفق الكثيرون اليوم على أن الصحراء لعبت دوراً مفصلياً في تطور حضارات وادي النيل مثلما تلقت مصر مؤثرات أخرى من شرق المتوسط.



سبقت الإشارة إلى أن المكتشفات الآثارية الحديثة في الأودية والمنخفضات الواقعة في طرف الصحراء أوضحت بجلاء وجود مجتمعات تعتمد على الحبوب البرية في الغذاء والصيد المكثف الذي سمح لها بإنشاء مواقع إقامة شبه دائمة وقد كانت هذه التجارب مقدمة طبيعية لأحداث النقلة في إنتاج الطعام. ففي وادي الكبانية وعلى بعد مائة كلم غرب أبي سمبل تم تأريخ بعض مواقع العصر الحجري الحديث المبكر بحوالي 6850 و 6550 ق.م.، وقد وجد أكثر من أربعين نوعاً من النباتات تمثلها حبوب مثل الذرة، والدخن، والبقوليات، والجوز، وغيرها من الأنواع الدرنية. ويعتقد الذين نقبوا في هذه المواقع أن الغذاء النباتي قد طور محلياً بمعزل عن تجارب تدجين القمح والشعير في بلاد الشام. في أحد هذه المواقع كشف عن أساسات أكواخ وحُفر لتخزين الحبوب ومواقد النار. وفي مكان آخر وجدت بقايا بيوت بيضاوية الشكل أو دائرية وبداخلها الحفر ومواقد النار. وتشير قرائن الأدلة إلى وجود مجتمعات شبه مستقرة حققت إنتاجاً زراعياً محلياً(انظر بحث د. أحمد الياس باللغة الإنجليزية المنشور في هذا العدد الخامس)



وتأتي أهمية الصحراء أيضاً في اكتشاف أدلة أثرية لاستئناس الأبقار في حدود الألفية السابعة ق.م. على أقل تقدير كما تمكنت بعض الجماعات من عمل الفخار المزخرف جيد الصنع وهو أقدم من أي فخار آخر وجد في وادي النيل ما عدا فخار الخرطوم المبكرة. ويرى كثير من الباحثين في آثار المنطقة إلى أن مهمة إنتاج الطعام في الصحراء قد أنجزت بصورة مباشرة وربما سريعة ويعزون السبب المباشر للتغيرات البيئية وتوفر الموارد الطبيعية وكذلك التقنية المطلوبة


ومن أمثلة مواقع إقامات العصر الحجري الحديث في أواسط مصر ما كشفت عنه تنقيبات كاتون–طومسون وغاردنر في الثلاثينات من القرن الماضي في منخفض الفيوم. وقد تحدثا عن وجود مستويين من طبقات الموقع وصفت الأولى (أ) بأنها تعود لعصر الهولوسين المبكر. ونسبة لما وجد فيها من فخار ومواد أخرى وصفت بأنها عصر حجري حديث مبكر. أما المستوى الثاني (ب) فيمثل ثقافة جماعات من الصيادين لم يتمكنوا من إنجاز الانتقال بعد إلى مرحلة إنتاج الطعام وصفوا بأنهم مجموعة معزولة. على أن التنقيبات الآثارية التى أجريت فيما بعد أوضحت أن خطأ قد جرى في تفسير طبقات ترسبات البحيرة القديمة. وبالتالي، يصبح الترتيب الزمني الذى افترضته كاتون–طومسون غير صحيح. كذلك تبين أن إنتاج الطعام الكامل متمثلاً في الزراعة واستئناس الحيوان قد ظهر فجأة في الفيوم وأيضاً في موقع مرميدة، ذلك نحو نهاية الألفية السادسة وبداية الألفية الخامسة ق.م. . وهذه الفترة نفسها شهدت الصحراء الشرقية موجة جفاف شديدة يعتقد أنها كانت السبب المباشر في نزوح جماعات على دراية بإنتاج الطعام من الصحراء في اتجاه وادي النيل وعوداً إلى مواقع إقامات العصر الحجري الحديث في الفيوم (5200-4000 ق.م.) نجد أنه أقيمت بالقرب من شواطئ البحيرة حيث بنى سكانها أكواخاً من القصب وحفروا المخازن تحت الأرض في الأجزاء المرتفعة. وقد وجد في تلك المخازن بقايا القمح والشعير والحنطة المدجنة. ومن عظام الحيوانات المستأنسة عرفت الأغنام والماعز إضافة إلى بعض الأنواع البرية مثل الفيل، والتمساح، وفرس البحر. كذلك أضافوا إلى قائمة مواد الغذاء الأسماك المتوفرة بالبحيرة، ومع غيرها من مواد نباتية طبيعية، وفرت قاعدة غذاء متنوعة. وتشمل الأدوات المكتشفة الرؤوس، والسهام، والخطاطيف العظمية، وشكلوا من الحجر المناجل والأدوات ورقية الشكل، والفؤوس، والرؤوس المدببة، وغيرها من الأدوات المصقولة. ومن مصنوعاتهم أيضاً السلال التى غطوا بها حفر تخزين الحبوب. أما فخار الفيوم فقد صنع من الصلصال الخشن وفيه من الأواني المصقولة أشكالاً متنوعة ذات قواعد مسطحة أو دائرية. ويعكس الفخار تقنية متطورة يعتقد آركل أنها وصلت إلى مصر من خارجها، ربما فلسطين، ويدعم رأيه بالإشارة إلى وجود الفؤوس المجوفة وأخرى مصقولة ضمن الأدوات المكتشفة. كذلك أشار البعض إلى أن الفروق النوعية والتقنية بين المخلفات التى تعود إلى نهاية العصر الحجري القديم الأعلى (الفيوم ب) وبين مخلفات (الفيوم أ) كبيرة جداً مما يجعل احتمال التطور المحلي أمراً غير ممكن



إن عدم وجود مبان معمارية في الفيوم يعطي انطباعاً بأن الإقامة الدائمة لم تكتمل بعد بالرغم من وجود المطامير التى تحفظ فيها الحبوب مع غيرها من شواهد آثارية دالة على حجم الإقامة وتراكم اللقي فيه.



يُعد موقع مرميدة بنى سلامة دليلاً مبكراً على حياة الاستقرار الكامل في القرى على ضفاف وادي النيل. وهو موقع إقامة كبيرة مساحته 18.000 متر مربع تقريباً وفيه رديم طبقات سكنية يبلغ سمكها نحو المترين. ويؤرخ الموقع للفترة ما بين 5200 و 3500 ق.م. ولوحظ أن فخار مرميدة وأدواتها الحجرية تشبه إلى حد كبير ما وجد منها في الفيوم. يكمن الفرق في أن فخار مرميدة فيه زخارف أكثر اتقاناً وجمالاً. بدأت الإقامة في القرية بتشييد الأكواخ المتفرقة ثم ازدادت الكثافة السكانية في الطبقات العليا حيث نجد بناء الأكواخ ذات الجدران على ارتفاع مناسب فوق سطح الأرض. تبدو هذه الوحدات المعمارية صغيرة الحجم تكفي ربما لشخص واحد وهى تبنى على مجموعات وتلحق بها مخازن للحبوب عبارة عن جرار كبيرة أو سلال مدفونة تحت السطح. دفن سكان مرميدة موتاهم داخل موقع الإقامة التى قدر عدد أفرادها بالآلاف


ومن مواقع الإقامة الجديرة بالذكر ما نسب لثقافة العمري من عدد من المواقع والمقابر المنتشرة بين القاهرة وحلوان. وتعكس المباني المشيدة، وكمية اللقي التي تحويها طبقات الرديم إقامة لفترة طويلة قدر زمنها بين 4200 و 4000 ق.م. أما إلى الجنوب من الدلتا وأواسط مصر فقد وصف الآثاريون عدداً من ثقافات المرحلة المتأخرة من العصر الحجري الحديث أطلقوا عليها مصطلح "ثقافات ما قبل الأسر" ومن أشهرها البداري، ونقادة الأولى، ونقادة الثانية. تمكن أصحاب هذه الثقافات من استغلال المعادن لأول مرة، ومن ثم صنفت ثقافتهم في الطور الثقافي المسمى بالعصر الحجري الحديث-المعدني (الخالكوليتي) كما تطورت مجتمعاتها إلى مستويات اقتصادية واجتماعية وفنية غير معهودة. وهى من ناحية أخرى تمثل المقدمة المنطقية لبزوغ الدولة المصرية القديمة، مع أن كثيرين يقولون بتسرب أفواج من سكان الصحراء أدى امتزاجهم مع سكان النيل إلى تفاعلات ثقافية أثمرت عن قيام الدولة القديمة. ومهما يكن من أمر فإن أهل البداري تركوا تراثاً مادياً يعكس ثراء مستواهم الفني والاقتصادي. فالأواني الفخارية المصقولة تعد من أجمل ما عرف في مصر وفيه من الأنواع الرفيعة المزخرفة بأشكال نباتية رائعة. وتشمل الأواني الصحون والأكواب الرفيعة والقدور وغيرها. دفن سكان البداري الموتى في قبور خصصت لها مساحات خارج موقع الإقامة ووضعوا مع الميت بعض الأدوات والقطع الفنية. كذلك خصصوا القبور لدفن الحيوانات التى عاملوها بطريقة توحي بمعتقدات روحية محددة. ومن مصنوعاتهم الحرفية اكتشفت الأواني الجميلة، والأدوات الحجرية، والسلال، والحصائر، والملابس الجلدية، والأغطية مما يشير إلى شيوع تقنية النسيج. ومن العناصر اللافتة للانتباه في ثقافتهم الإمكانيات الفنية التى عكستها التماثيل الآدمية الصغيرة، والمصنوعات الحرفية الجميلة مثل الأمشاط، والملاعق المزخرفة بأشكال الحيوانات المنحوتة، إضافة للخرز، والأساور النحاسية، ومشغولات العاج.



لقد تركز وصفنا لثقافات ما قبل التاريخ في وادي النيل على أنماط الإقامة، وأحوال المناخ، واستغلال الموارد الطبيعية، وما أنتجه الناس من أدوات حجرية، وفخار وغيرها من مصنوعات تعينهم في حياتهم اليومية. وفي مناطق أخرى من العالم القديم مثل أوروبا، أو الصحراء الكبرى، أو جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، يشكل الفن البدائي بتعبيراته المختلفة جزءاً مهماً من التراث المادي الذى يضيف معلومات مهمة عن حياة مجتمعات ما قبل التاريخ. وبالنسبة لوادي النيل لم تنل الفنون الصخرية المنتشرة على طول الوادي حظها من الدراسة المفصلة، وربما يعود ذلك لأكثر من سبب أولها حداثتها النسبية إذ لم يكُتشف شئ منها في مستوى قدم الفنون الأوروبية أو الصحراء الكبرى. يضاف إلى ذلك صعوبة تأريخ ما وجد منها وربطه بالمواقع الآثارية في المنطقة. هذا وقد قدر تاريخ أقدم نماذج للرسوم الصخرية في شمال السودان بالفترة بين 9000 و7000 ق.م.

ومن أشهر مواقع تجمع الرسوم الصخرية ما اكتشف في النوبة السودانية بالقرب من قرية عبكة حيث وجدت أيضاً صناعات حجرية تعود لأواخر العصر الحجري القديم وبداية الحديث. ونفذت الرسوم التى تبلغ المئات على أسطح الصخور المنتشرة في مساحة واسعة وكان موضوعها الأساس رسم الحيوانات المنفردة إذ لم تكن هناك محاولة لرسم مشهد كامل. ومن الحيوانات المتكررة الغزال، والفيل، والزراف، وفرس البحر، وحمار الوحش وغيرها. ومن اللافت للانتباه أيضاً رسوم الأفراد الذين يحملون الأقواس والرؤوس المستخدمة في الصيد. كذلك توجد علامات تجريدية لا يعرف معناها ضمن الرسوم في هذا الموقع



إن ضآلة المنجزات النسبية في مجالات الفنون الصخرية في وادي النيل لا تحجب شيئاً من ما حققه إنسان وادي النيل خلال العصور الحجرية على اختلاف مراحلها. فما ذكرناه من ثراء العناصر المادية في ثقافة البداري وغيرها من ثقافات ما قبل الأسرات بلغ درجة عالية من التعقيد والإنجاز الثقافي المتميز. لقد كان ذلك ثمرة طبيعية لتجارب مجتمعات الصيادين في المنطقة على مر العصور. وقد أدت هذه التطورات في مجتمع البداري إلى تحولات عميقة في علاقات الأفراد والجماعات السكانية على طول وادي النيل وفي تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية والدينية والفكرية. وقد توسعت بعض هذه المجتمعات في أحجامها وفي ثرواتها الطبيعية والمنتجة ومختلف جوانب الحياة فيها فيما أفضى في النهاية إلى ظهور أنظمة وشبكة علاقات تدير شؤون الأفراد والمجتمع الشئ الذى تمخض عنه نشوء الدولة المركزية في أواخر الألفية الرابعة ق.م.


غير متواجد
الموضوع الأصلي: عصور ما قبل التاريخ في وادي النيل || الكاتب: سمسمة سليم || المصدر: سيدات مصر



uw,v lh rfg hgjhvdo td ,h]d hgkdg hgkpg u.,v ,hp]

التوقيعلا يوجد توقيع لهذا العضو
سمسمة سليم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 19-09-2010, 09:48 AM   #2
حنين قلبي
الصورة الرمزية حنين قلبي
تاريخ التسجيل: 18 / 7 / 2010
المشاركات: 11,602
المواضيع: 4319
معدل تقييم المستوى: 16
Rep Puan‎ : 50
K‎demi : حنين قلبي سمعة تقييمها بادئ
المشرفة اللهلوبة وسام النشاط متميزات المطبخ 
مجموع الاوسمة: 3 (المزيد» ...)
معدل تقييم المستوى: 16
افتراضي رد: عصور ما قبل التاريخ في وادي النيل

     
 
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
التوقيعلا يوجد توقيع لهذا العضو
حنين قلبي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 21-09-2010, 12:16 PM   #3
نوسة عجيبة
الفقيده الغالية رحمة الله عليها
Avatar Yok
تاريخ التسجيل: 25 / 4 / 2010
العمر: 54
المشاركات: 6,477
المواضيع: 216
معدل تقييم المستوى: 13
Rep Puan‎ : 218
K‎demi : نوسة عجيبة تقييم متوسط الاداءنوسة عجيبة تقييم متوسط الاداءنوسة عجيبة تقييم متوسط الاداء
العضو المميز الحكمة والأخلاق وسام الحضور الدائم 
مجموع الاوسمة: 3 (المزيد» ...)
معدل تقييم المستوى: 13
افتراضي رد: عصور ما قبل التاريخ في وادي النيل

     
 
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
التوقيعلا يوجد توقيع لهذا العضو
نوسة عجيبة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إنشاء موضوع جديد إضافة رد
كاتب الموضوع سمسمة سليم مشاركات 2 المشاهدات 11805  مشاهدة صفحة طباعة الموضوع | أرسل هذا الموضوع إلى صديق | الاشتراك انشر الموضوع

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
التاريخ, النحل, عزور, واحد

مواضيع ذات صله Egyptology


أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: عصور ما قبل التاريخ في وادي النيل
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
جيمس بيكى..موسوعة الاثار المصرية فى وادى النيل..الجزء الرابع..من طيبة الى اسوان miss_romantic الثقافة العامة والكتب 12 13-05-2012 01:13 AM
خماسية "طبيعية" للمنتخب المصري على تنزانيا في بطولة دول حوض وادي النيل *ام مشمش* أخبار الرياضة 1 12-10-2011 02:40 AM
مستشفى وادى النيل ينفى استقبال عمر سليمان *ام مشمش* أخبار الرياضة 1 16-05-2011 07:10 PM
تنسيق مصرى سودانى لإعادة هيكلة هيئة وادى النيل للملاحة النهرية سحر رويتر أخبار الرياضة 1 19-11-2010 02:57 AM
اثبتنا قوتنا وشجاعتنا للعالم لاول شعب على ضفاف النيل واول حكومة فى التاريخ سمسمة سليم دردشة ومواضيع عامة 6 05-10-2010 05:37 PM

العاب تلبيس العاب مزارع العاب تلبيس بنات

العاب تلبيس

سيدات مصر ازياء ازياء محجبات عبايات لانجيري مكياج ديكور تريكو تسريحات فساتين غرف نوم كوش مكياج عرايس اكسسورات انتريهات وصفات طبخ

facebook

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

الساعة الآن 08:15 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع سيدات مصر ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك (ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر)
This Forum used Arshfny Mod by islam servant
أضف اعجاب لسيدات مصر